سيد محمد طنطاوي
8
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
مقال ، ولم يعتمدها المحققون من العلماء ، فقد نقل السيوطي عن ابن الحصار قوله : استثنى من سورة الأنعام تسع آيات - مدنية - ولا يصح به نقل ، خصوصا وأنه قد ورد أنها نزلت جملة « 1 » . ( د ) الذي يقرأ سورة الأنعام بتدبر يجد فيها سمات القرآن المكي واضحة جلية ، فهي تتحدث باستفاضة عن وحدانية اللَّه ، وعن مظاهر قدرته ، وعن صدق النبي صلى اللَّه عليه وسلم في دعوته ، وعن الأدلة الدامغة التي تؤيد صحة البعث والثواب والعقاب يوم القيامة ، إلى غير ذلك من المقاصد التي كثر الحديث عنها في القرآن المكي . ومن هنا كانت سورة الأنعام بين السور المكية ذات شأن كبير في تركيز الدعوة الإسلامية ، تقرر حقائقها ، وتفند شبه المعارضين لها ، واقتضت لذلك الحكمة الإلهية أن تنزل - مع طولها وتنوع آياتها - جملة واحدة ، وأن تكون ذات امتياز خاص لا يعرف لسواها كما قرره جمهور العلماء . ومن ذلك يتبين أنه لا مجال للقول بأن بعضها من قبيل المدني ، ولا بأن آية كذا نزلت في حادثة كذا ، فكلها جملة واحدة نزلت بمكة لغاية واحدة ، هو تركيز الدعوة بتقرير أصولها والدفاع عنها « 2 » . هذه بعض الأدلة التي تجعلنا نرجح أن سورة الأنعام كلها مكية ، وأنها نزلت على النبي صلى اللَّه عليه وسلم جملة واحدة . 4 - لما ذا سميت بسورة الأنعام ؟ الأنعام لغة تطلق على ذوات الخف والحافر من الحيوان ، وهي - الإبل والبقر والغنم - وقد سميت سورة الأنعام بهذا الاسم ، لأنها فصلت الحديث عن هذه الأنواع بطريقة متعددة الجوانب ، متنوعة الأهداف . وقد تكرر لفظ الأنعام في تلك السورة ست مرات في أربع آيات . أما الآية الأولى فقد حكى القرآن فيها ما كانوا يفعلونه من قسمتهم الحرث والأنعام إلى قسمين : قسم جعلوه للَّه يتقربون به إليه عن طريق إكرام الضيف ومساعدة المحتاج . وقسم جعلوه لآلهتهم فذبحوه على الأنصاب ، وأنفقوا منها على سدنتها وخدمها ، ثم هم بعد ذلك العمل الباطل لا يعدلون في القسمة ، يجورون أحيانا على القسم الذي جعلوه للَّه بينما
--> ( 1 ) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ، ج 1 ص 28 طبعة مكتبة المشهد الحسيني سنة 1387 ه . ( 2 ) تفسير القرآن الكريم لفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت ص 401 طبعة دار القلم .